حكم التطيب بالطيب والعطور الكحولية دراسة - فقهية مقارنة
الملخص
الفصل الأول: حكم التطيب بالطيب
الطيب في اللغة هو ما يتطيب به، والعطر هو اسمٌ جامعٌ للأشياء التي يتطيب بها لحسن رائحتها، أمَّا اصطلاحًا فالعطر هو الشذى الناتج من الزيوت العطرية للنباتات ومن العطور الصناعية.
· المبحث الأول: الطيب المستحب:
- يُشرَع استعمال الطيب الطاهر للرجل المتزوج وغير المتزوج؛ قال رسول الله ﷺ " حُبِّبَ إليَّ النِّساءُ والطِّيبُ وجُعِلَت قُرَّةُ عَيني في الصَّلاةِ"، وقال ﷺ "من عُرِضَ عليه طيبٌ فلا يردُّه، فإنه خفيفُ المحملِ، طيِّبُ الرائحة".
- أفضل الطيب هو المسك المخلوط بماء الورد؛ لما ذكره ابن حجر من أنه الرسول ﷺ كان يكثر منه.
- جعل الأئمة تطيب الرجال يوم الجمعة بين المسنون والواجب؛ قال رسول الله ﷺ "الغُسْل يوم الجمعة واجِب على كل مُحْتَلِمٍ، وأن يَسْتَنَّ، وأن يَمَسَّ طِيبًا إن وجَد".
- الفرق بين طيب الرجال وطيب النساء:
= يختلف طيب المرأة عن طيب الرجل؛ فطيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، أما طيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه، ولا تستعمل المرأة طيب الرجل والعكس؛ لتحاشي تشبه أحدهما بالآخر، وكذلك لا يجعل طيب الرجل في الوجه بينما النساء يطيبن وجوههن ويتزين بذلك.
= يشترك الرجال والنساء في أنواع من الطيب مثل المسك والعود، وفي هذه يجوز للرجال التطيب بما كان ملك لأهله في حال عدم وجود غيره.
= ينقسم العطر على هذا الوجه إلى قسمين؛ القسم الأول عطرٌ نفاذٌ تظهر رائحته من مسافة بعيدة وهذا الطيب الرجالي وهو مستحبٌ مطلقًا، القسم الثاني عطر ليس بنفاذ الرائحة مثل مزيلات رائحة العرق وهو الطيب النسائي.
· المبحث الثاني: الطيب الجائز: يجوز للمرأة التطيب في الحالات الآتية:
- إذا كانت في حضرة النساء دون الرجال الأجانب. - التطيب للإحرام.
- أن يمر عليها قوم وهي متطيبة دون قصد التطيب لمجيئهم.
- خروجها متطيبة دون قصد التعرض للرجال، وهذه المسألة محل خلاف بين الفقهاء؛ حيث أجاز المالكية والشافعية والحنابلة ذلك، بينما لم يجزه الحنفية ويرون خروج المرأة إذا خرجت من بيتها متطيبة فهي آثمة.
· المبحث الثالث: الطيب المحرم: توجد حالات لا يجوز للمسلم أو المسلمة فيها التطيب بالطيب وهي:
- لا يجوز للمرأة التطيب عند اختلاط النساء بالرجال أو إذا قصدت التعرض للرجال.
- لا يجوز للمرأة التطيب في حدادها على زوجها (أربعة أشهر وعشرة أيام).
- في عدة المرأة المبتوتة (المختلعة أو المطلقة ثلاثًا أو التطليقة البائنة)، اختلف الفقهاء في المبتوتة على قولين؛ يرى الإمام أبي حنيفة وأحمد عدم جواز تطيبها بينما يرى الشافعي جواز تطيبها وأنه لا حداد عليها.
- في الحج قبل الإحرام؛ اختلف الفقهاء حيث يرى الإمام أبي حنيفة والشافعي والثوري والأوزاعي وأحمد داود جواز وضع الطيب على البدن وليس ملابس الإحرام، حتى لو استدام بقاء لونه ورائحته بعد الإحرام. بينما يرى الإمام مالك أنه مكروه استدلالًا بما رواه عمر من حديث الأعرابي الذي سأل عن الرجل يعتمر في جبة متضمخ بطيب فقال ﷺ" فأما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزعها ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك"، والأرجح بين القولين هو القول الأول بجواز الطيب؛ لما روته عائشة -رضي الله عنها- "كُنْتُ أُطيِّبُ رسولَ اللهِ ﷺ لإحرامِه قبْلَ أنْ يُحرِمَ ولحِلِّه قبْلَ أنْ يطوفَ بالبيتِ"، كما أن حديث الإعرابي محمول على ما إذ كان عليه ثوب مزعفر والرجل ممنوع منه في الإحرام وغيره، وقصة يعلى بالجعرانة التي استدل بها أصحاب القول الثاني كانت سنة 8 بينما طيبت السيدة عائشة رسول الله ﷺ في حجة الوداع.
- في الحج بعد الإحرام؛ أجمع الفقهاء على تحريم جميع أنواع ما يقصد به الطيب.
· المبحث الرابع: أنواع الطيب والأدهان المعتبرة طيبًا وغير المعتبرة:
أنواع الطيب:
1. الطيب المعتبر: الذي يظهر فيه غرض الطيب، ومن أشهر أنواعه:
- الصندل، وهو أنواع أفضلها الأصفر الدسم الرزين العود؛ لأنه ممسوح بالزعفران وسمى (المقاصير) ويليه الأبيض.
- المسك، وهو أنواع أفضلها التبتي ويؤتي من موضعٍ يسمى ذو سمت.
- العنبر.
- العود (الألوة)، وهو أنواع أنفسها المندلي (الهندي) وأفضلها القامروني والسمندوري والصنفي.
2. ما له رائحة طيبة من نبات الأرض، وهو أنواع:
- ما يتطيب ويؤخذ منه الطيب: الورد، الياسمين، الزعفران، الخيري، أو للتداوي كالقرنفل، الدار الصيني، السنبل، التفاح، السفرجل، البطيخ، الأترج، ولا شيء منها محرم.
- ما يتطيب ولا يؤخذ منه الطيب: النرجس، الريحان، الضميران، المرزنجوش.
- ما يثبت نفسه: الشيح، القيصوم، الشقائق، التفاح، الكمثرى، العصفر، ولا فدية فيها للمحرم.
الأدهان المعتبرة طيبًا وغير المعتبرة:
1. دهن ليس بطيب: الشيرج، السمن، الزبد، دهن الجوز، اللوز.
2. دهن اختلف فيه العلماء: البان، الورد، البنفسج، الزنبق؛ يرى الإمام أبو حنيفة جميع الأدهان إذا كان فيها الطيب تعتبر طيبًا؛ لما روي عن أم حبيبة -رضي الله عنها- أنها تطيبت بالزيت، بينما يرى الإمام الشافعي أن البنفسج ليس بطيب، ولكن يبدو لنا رجحان القول الأول.
الفصل الثاني: التطيب بالعطور الكحولية، تعريفه، وأقوال العلماء فيه
الكحول في اللغة روح الخمر وأثره، أمَّا اصطلاحًا فهو سائل طيار ملتهب مسكر لا لون له ورائحة خاصة تسمى اسبرتو، وتوجد أنواع من الكحوليات لكن إذا أطلقنا كلمة كحول دون تحديد فيقصد عادةً كحول الإيثيل، ومن الكحول شائعة الاستعمال في العطور هي الميثانول.
· المبحث الثاني: العطور الكحولية طاهرة أم نجسة؟
أجمع العلماء على حرمة الخمر واتفقوا أنها نجسة حكمًا كالأنصاب والأوثان والميسر، ولكن اختلفوا في نجاسة عينها:
القول الأول: الخمر نجسة ظاهرًا وباطنًا وهو قول الإمام أبي حنيفة والمالكية والشافعية والحنابلة؛ استدلالًا بقول الله تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ".
أما عن التطيب بالعطور الكحولية بناءً على هذا القول، فيرى الإمام محمد الشنقيطي أنه لا يجوز التطيب بما وصفه الله برجس وأن النبي ﷺ أمر بإراقة الخمر ولم يذكر لها منفعة أخرى، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أن الله وصفها بالرجس عامةً وتخصيص ما عمه الله خير جائز، واستدلوا بما كتبه عمر بن الخطاب لخالد بن الوليد -رضي الله عنهما- "إن الله قد حرم ظاهر الخمر وباطنها، وحرم شربها، فلا تمسوها أجسامكم فإنها نجس، فإن فعلتم فلا تعودوا".
القول الثاني: أن الخمر طاهرة ونجاستها معنوية، وهو قول الإمام الليث بن سعد وربيعة بن أبي عبد الرحمن، والإمام داود الظاهري، والمزني، والإمام الصنعاني، وبعض المتأخرين من البغداديين من المالكية، واستدلوا ب:
- التنجيس حكم شرعي ولا نص فيه يزول بالإيمان كتحقيق الطهارة بالماء.
- سكب الخمر في طرق المدينة، ولو كانت نجسة لما فعل الصحابة ذلك؛ للنهي عن إراقة النجاسة في الطريق.
- النجاسة يلازمها التحريم؛ فكل نجسٍ محرم وليس العكس؛ فتحريم لبس الحرير والذهب لا ينفي طهارتهما.
- رد خالد بن الوليد على كتاب عمر بن الخطاب "إنا قد قتلناها فعادت غسولًا غير خمر" وهذا يثبت وجود خلاف بين الصحابة في فهم النص وعدم الإجماع عليه في زمنهم، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال.
- ورود الحديث الصحيح في قول الصحابة "كنا نغزو مع رسول الله ﷺ فنصيب من آنية المشركين وأسقيتهم فنستمتع بها ولا يعيب ذلك عليهم" والمشركين كانوا يأكلون الخنازير ويشربون الخمر، ورد أصحاب القول الأول أن الرسول ﷺ أمر بغسل الآنية قبل استخدامها وإذا وجدوا غيرها ألا يستخدموها، فرد أصحاب القول الثاني بأن غسلها لم يلزم منه نجاسة المغسول لزمًا بينًا، وإنما الغسل لسريان الشك؛ قلة احتراس المشركين عن النجاسات، وللمبالغة في الاستقذار.
ترجيح الباحث:
: لا خلاف بين الفقهاء على حرمة الخمر، وإنما الخلاف على التطيب بالمواد المشتقة من المواد المخدرة المسكرة، وتبين لنا بعد عرض القولين ترجيح القول الثاني؛ للأسباب الآتية:
- اعتمد أصحاب القول الأول على أدلة الاستنتاج اللغوي التي لا تقوى على التسليم باعتمادها.
- صرح الكثير من الفقهاء بإمكانية استخدام شحم الخنزير في التداوي لا بالأكل والصحيح وأنه يجوز للحاجة وما أبيح للحاجة جاز للتداوي.
- صرح بعض الفقهاء بحل استعمال الماء المختلط به الخمر.
- أثبت أصحاب القول الثاني عدم نجاسة عين الخمر.
وفي المجمل فالفتاوي التي صدرت في هذا الباب مقيدة بالحاجة والضرورة، فالأقرب عدم استعمال الكحول المختلط بمواد مسكرة للتزين والأمور التحسينية وإنما للحاجة كما في المجالات الطبية وصناعة الأدوية، وتحريم استخدام هذه المواد على الإطلاق يسبب حرج للمسلمين.
المرجع:
أ. م. د. عبد علي صالح. (2012). حكم التطيب بالطيب والعطور الكحولية دراسة-فقهية مقارنة. Journal of Tikrit University for Humanities, 19(8).
https://www.iasj.net/iasj/article/55730