من نيويورك تايمز: في زمن الذكاء الاصطناعي والإدمان الرقمي – هل ما زال بإمكاننا اختيار الحياة؟

21 أبريل 2025
سَمَرْ
من نيويورك تايمز: في زمن الذكاء الاصطناعي والإدمان الرقمي – هل ما زال بإمكاننا اختيار الحياة؟

الكاتب: روس دوذات (Ross Douthat) - كاتب مقالات رأى

ترجمة وصياغة: سمر


كلّ تحوّل تكنولوجي عظيم يحمل في ظله جانبًا مدمرًا، يغمر أعماقه أنماط حياة يُصبح وجودها بلا جدوى في ظل النظام الجديد. لكنّ عصر الثورة الرقمية — زمن الإنترنت والهواتف الذكية، والعصر الناشئ للذكاء الاصطناعي — يُنذر بعملية تصفية شاملة بشكل خاص. إنّه يدفع البشرية نحو ما يُسميه علماء الأحياء التطورية بـ"عنق الزجاجة" — فترة من الضغط السريع تهدد الثقافات والعادات والشعوب بالاندثار.

عندما يعاني طلاب الجامعات من قراءة فقرات أطول من شاشة الهاتف، وتعجز هوليوود عن منافسة يوتيوب وتيك توك، فذلك هو "عنق الزجاجة" الذي يضغط على الأشكال الفنية التقليدية مثل الرواية والسينما.

وعندما تفقد الصحف اليومية والطوائف البروتستانتية التقليدية ونوادي "إلكس" أهميتها، وعندما تبدأ المطاعم ذات الجلوس، والمجمعات التجارية، والجامعات، بالسير على نفس المنحنى الهابط — فهذا هو عنق الزجاجة يضيق على أشكال الحياة الطبقية الوسطى في الضواحي.

وعندما يتساءل المعتدلون والوسطيون لماذا لم يعد العالم يسير في الاتجاه الذي يرغبون به، ولماذا يبدو المستقبل وكأنه ملك لنزعات متطرفة مصمّمة على المقاس — من المعجبين بلويدجي مانجيوني إلى من يعيدون كتابة رواية الحرب العالمية الثانية — فذاك هو عنق الزجاجة يسحق أشكال السياسة التوافقية القديمة، وطرق التفاعل المتزنة مع النقاشات السياسية.

وحين لا يواعد الشباب ولا يتزوجون ولا يكوّنون أسرًا، فذلك هو عنق الزجاجة يصل إلى أكثر المؤسسات الإنسانية جوهرية.

وحين يؤدي ذلك — أي عزوف الناس عن الارتباط والتكاثر — إلى شيخوخة الأمم وتقلصها واندثارها، وعندما تجتاح موجة التراجع السكاني شرق آسيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا، كما ستفعل — فذلك هو الضغط النهائي، أضيق نقطة في عنق الزجاجة، الموت الحرفي.

هذا ليس مجرّد تغير عابر كأن تُغلق وكالات السفر أبوابها أو أن يحلّ نتفليكس محل جهاز الفيديو. كل ما كنا نعدّه من المسلّمات يدخل الآن عنق الزجاجة. وبالنسبة لأي شيء تهتمّ به — من وطنك إلى رؤيتك للعالم، إلى شكل الفنّ المفضل لديك، إلى أسرتك — فإن التحدّي الجوهري في القرن الحادي والعشرين هو أن تضمن بقاءه على الجانب الآخر من هذا العنق.

ويزداد هذا التحدي تعقيدًا لأن كثيرًا من هذا الانقراض سيبدو وكأنه اختياري. ففي عنق الزجاجة التطوّري التقليدي، يكون الهدف النجاة من تهديد مادي فوري — كالطاعون أو المجاعة، أو الزلزال، أو الفيضان، أو ارتطام نيزك. أما عنق الزجاجة في العصر الرقمي فهو مختلف: العصر الجديد يفتك بنا بهدوء، إذ يسحب الناس من الواقع إلى العالم الافتراضي، ويشتّتنا عن الأنشطة التي تُبقي على نبض الحياة اليومية، ويجعل من الوجود البشري بمعاييره الطبيعية أمرًا يبدو متقادمًا، كأن لا جدوى له.

ورغم أن هذا الوصف قد يبدو تشاؤميًا، إلا أنه في جوهره دعوة — دعوة إلى الوعى بما يحدث ومقاومته، والنضال من أجل مستقبل تبقى فيه الأشياء البشرية، ويزدهر فيه الإنسان. إنّه نداء للنية الواعية في مقابل الانجراف، وللغاية في مواجهة اللامبالاة — وفي النهاية، للحياة نفسها في وجه الفناء.

التطور القاتل

لكن أولًا، علينا أن نفهم ما الذي نعيشه فعليًا.

يبدأ الأمر بعملية الاستبدال: إذ يأخذ العصر الرقمي الأشياء المجسّدة، ويقدّم لها بدائل افتراضية، ناقلًا مجالات كاملة من التفاعل البشري والمشاركة من السوق الواقعي إلى شاشة الحاسوب. في مجال العلاقات العاطفية، تحل تطبيقات المواعدة محل الحانات، وأماكن العمل، والكنائس. في الصداقة، تحل الرسائل النصية والخاصّة محل اللقاءات الواقعية. في الترفيه، تحل الشاشة الصغيرة محل الذهاب إلى السينما والعروض الحيّة. في البيع والشراء، يحل المتجر الإلكتروني محل المركز التجاري. في القراءة والكتابة، تحل الفقرة القصيرة والردّ السريع محل الكتاب، والمقال، والرسالة.

بعض هذه البدائل الافتراضية لها جوانب إيجابية مهمّة. هناك مجالات من العمل الفكري والعلمي كانت مستحيلة قبل أن يُلغي الإنترنت حدود المسافة. والعمل عن بعد يمكن أن يكون نعمة للحياة الأسرية، حتى وإن قَيَّد أشكالًا أخرى من التفاعل الاجتماعي. وشعبية البودكاستات الطويلة عبر الإنترنت قد تُشير إلى تراجع من الثقافة المكتوبة إلى الشفوية، لكنها تمثل على الأقل استثناءً مضادًا للاتجاه العام نحو كل ما هو أقصر فأقصر.

لكن في كثير من الحالات، تكون البدائل الافتراضية دون شك أقل قيمة مما تحلّ محلّه. خوارزميات البثّ تميل إلى إنتاج أعمال فنية متوسطة، مقارنةً بأفلام الماضي، أو حتى بمسلسلات "العصر الذهبي" منذ عشرين عامًا. وموقع "بوك توك" بالنسبة للأدب يشبه موقع "أونلي فانز" بالنسبة للحب الرومانسي الحقيقي. أما مصادر الأخبار المحلية على الإنترنت فهي غالبًا رديئة مقارنة بالنظام الصحفي المطبوع الذي اندثر. الصداقات على الإنترنت أضعف من العلاقات الواقعية، والتطبيقات الإلكترونية تؤدي إلى علاقات ناجحة أقل من أسواق المواعدة التقليدية.

لكن ربما أقوى إغراء للجميع هو الاعتقاد بأنهم يشاركون في مشروع راديكالي، طريقة جديدة واعية للعيش — بينما هم في الحقيقة يُسحبون ببطء إلى عالم الأداء، والتمثيل، واللاواقعية المطلقة.

وهذا إغراء أعرفه جيدًا — كوني أعيش حياة مهنية رقمية بالكامل تقريبًا، محاطة بمن يشاركونني نفس القلق، نتحدث ونتحدث ونتحدث… بينما الأمر الضروري هو أن نخرج للواقع ونفعل.

أن ننجب الأطفال. أن نمارس الدين. أن نؤسس المدارس. أن ندعم المسرح المحلي، والمتاحف، ودور الأوبرا والحفلات، حتى لو كنا نستطيع مشاهدتها على "يوتيوب". أن نلتقط فرشاة الرسم، أو الكرة، أو الآلة الموسيقية. أن نتعلم اللغات — حتى لو كان هناك تطبيق لذلك. أن نتعلم القيادة، حتى إن كنا نعتقد أن "وايمو" أو "تسلا" ستقود عنا قريبًا. أن نضع شواهد القبور، لا أن نحرق موتانا فقط. أن نجلس مع الطفل، نفتح الكتاب، ونقرأ.

ومع تضييق عنق الزجاجة، سيعتمد البقاء على الإصغاء من جديد إلى التحذير القديم:

"قَدْ جَعَلْتُ أَمَامَكَ الْحَيَاةَ وَالْمَوْتَ، الْبَرَكَةَ وَاللَّعْنَةَ، فَاخْتَرِ الْحَيَاةَ لِتَحْيَا أَنْتَ وَذُرِّيَّتُكَ."

#ترجمة-سمر