مدخل في الموسيقى

٧٠

مدخل في الموسيقى

تاليف : محمد قابيل

165 صفحة





تفتقر المكتبة العربية إلى الكتب التي تتناول «الموسيقى» كعلم خاص مستقل «ٍَِّّيكٌُُه؟»، ويمثل هذا الكتاب أحد أبرز المؤلفات الضرورية ضمن مكتبتنا العربية، في مجال الموسيقى.

حيث يتضمن الكثير من المعارف بين دفتيه، خصوصا في مجال «التاريخ الموسيقى» مستعرضا مراحل تطورها والتأثيرات التي طالتها ، ودور ابرز الرواد فيها، إضافة إلى تفاصيل تنوعها واعتمادها مناهج متطورة ومتفاوتة أحيانا في مختلف الدول العربية. يرصد كتاب المؤلف محمد قابيل «مدخل في الموسيقى»، الصادر عن هيئة قصور الثقافة (إصدارات خاصة)عام 2009، تاريخ الموسيقى لدى شعوب العالم، معرفا بالكثير من المصطلحات والمقولات الشائعة.ويبدأ في استهلاله بتسطير عبارات الحب لهذا الفن، مستشهدا بمقولات بعض مفكري العصر العباسي، أمثال «اسحق بن يعقوب الكندي»، الذي قال: «الموسيقى أحيانا يكون لها صمت الألوان والزهور».

تمايز

ويورد قابيل نقطة محورية بحثية معمقة، يناقش خلالها تفاصيل غنية، وتتمثل في كون العبارات الشائعة تسمى الموسيقى العربية بمصطلح الموسيقى الشرقية، ويرى الكاتب أن موسيقانا قد تتفق في بعض عناصرها، مع مجموعة محددة من النماذج في موسيقى الأقطار المجاورة للوطن العربي، مثل إيران وتركيا والهند..

إلا أنه من الخطأ، وضع موسيقى كل تلك الأقطار في جعبة واحدة، وذلك ؟كما يؤكد- بحكم التغيرات المختلفة التي طالتها هناك، ففي إيران ابتعدت الموسيقى منذ أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، عن طابعها القديم، وتأثرت بالتيار الأوروبي أكثر، سواء في طريقة العزف أو الغناء، وصل الأمر حدا أصبح يتألف سلمها الموسيقى معه من اثنين وعشرين بعدا.

وكذلك يبين الكاتب انه في الهند، وعلى الرغم من وصول الموازين الموسيقية والآلات العربية إليها، بقيت الموسيقى الهندية تتطور حسب التقاليد الهندية، فصوت المغنى الهندي (مثلا) يعد عنصرا ثانويا في الأغنية، بينما صوت المطرب العربي هو «فاترينة» اللحن والكلمات في الأغنية العربية.

وهو ما يعرف بالتطريب، ويوضح في السياق نفسه أن عازف «القيثارة» التركي، أو من نطلق عليه «شاعر الربابة في مصر»، هو مؤلف الغناء العامي والشعبي والسوقي في تركيا، وعلى العكس في مصر، فالسوقية لا تجتمع مع شاعر الربابة.

ويشير الكاتب إلى أن الكنيسة القبطية في مصر، تزخر بألحان متعددة، وكل ترنيمة (دعاء صلوات مسيحي) هي بمثابة نص شعري ونثرى، وأيضا لها لحنها المميز.وتعتمد تلك الموسيقى على عدد من المرتلين لهم قائد يتميز بصوت جميل وحس موسيقى.ويبين قابيل في هذا الإطار أن العرب قبل الإسلام، استقدموا القيان من بلاد العجم والروم ومصر، بآلاتهم الموسيقية..

وظهر «الحداء»، أي غناء الشعر، على إيقاع خطوة الجمل، وهذا طبعا يخص الرجال.أما الإناث، فقد تخصصن في غناء المراثي والتعبير عن الأحزان.

وينتقل بنا الكاتب إلى محطة موسعة في تاريخ الموسيقى العربية ، ليتطرق إلى حالها في صدر الإسلام، فيفسر أنها لبست ثوبا دينيا، وكانت النغمات والمقامات الموسيقية مقصورة على ترتيل القرآن والآذان وصلاة العيدين والتكبيرات، ثم إنشاد الشعر،.

ويورد هنا كيف انه ومع هجرة الرسول (ص) استقبلته الجموع بالنشيد الخالد «طلع البدر علينا من ثنيات الوداع»، لافتا إلى انه، وعند حفر الخندق في «غزوة الخندق»، أنشد المسلمون «اللهم لولا أنت ما أهديتنا/ ولا تصدقنا ولا صلينا/ فأنزلن سكينة علينا/ وثبت الأقدام إن لقينا».

الشعر الديني والموسيقى العربية

ثم يأخذنا إلى مرحلة أخرى اشمل وأعمق تأثيرا في تطور واغتناء الموسيقى العربية، ويسميها تحديدا مع ظهور رواد الشعر الديني والصوفي، مبينا أن «كعب بن زهير بن أبي سلمى» كتب «البردة».

ومن ثم توالت الأشعار الدينية بعدها، ليصبح الغناء لاحقا من اختصاص النساء، وحتى الرجال الذين كانوا يغنون، تشبهوا بالنساء المغنيات، وأطلق عليهم لقب «المخنثون»، ومنهم «طويس والدلال وهيت».

وفي شأن الموسيقى في العصر الأموي، يرى قابيل أن الخليفة عبد الملك بن مروان شجع أهل هذه الصنعة، بل كان هو نفسه موسيقيا وملحنا، وكذلك نظم سليمان بن عبد الملك المسابقات بين المغنين. وبلغ تقدير «يزيد بن عبد الملك للغناء، أن اشترى المغنية «حبابة» بأربعة آلاف دينار، وذلك فور توليه الخلافة.

«بيت الحكمة» أول جامعة عربية متخصصة في تدريس العلوم والفنون بناها الخليفة المأمون في العصر وفي المقابل يوضح الكاتب أن العصر العباسي، هو ما يمثل حقيقة العصر الذهبي للموسيقى العربية، حيث زادت المقامات، وتعددت الإيقاعات، وكثرت الآلات الموسيقية.والبارز في هذه الفترة ؟

حسب رؤية الكاتب- بناء الخليفة المنصور مدينة بغداد، التي أصبحت مقرا للخلافة ومركزا للفنون والآداب والموسيقى، ويشرح عقب هذا ماهية التداخلات و التأثيرات المختلفة اللاحقة، مسجلا أن الأشراف لم يدخلوا في البداية حلبة الغناء، إلى أن بدأ هذا مع «ابن جامع»، ثم «إبراهيم بن المهدي»، كما عرف عن الخليفة «الواثق» أنه موسيقي، اعتبر فعليا من علماء هذا الفن.

عصر ذهبي

ويفرد الكتاب محورا خاصا لتوثيق نقطة التحول الجوهري في تاريخ الموسيقى العربية، ليدخل معها في مرحلة تأسيس أول جامعة عربية لتعليم الفنون و العلوم في العصر العباسي، بناها الخليفة «المأمون» في بغداد، وأسماها «بيت الحكمة».

و برز «اسحق الكندي»، فكتب حوالي 7 مؤلفات في علوم الموسيقى ضمن مجال طبقات الأصوات وتركيب النغمات وفى علم التأليف والتطبيقات على آلة العود، ليعقبها تقديم المفكر العربي «أبو النصر الفارابي» لمؤلفة الكبير «الموسيقى الكبير»، ومثله أيضا المفكر «أبوعلي ابن سينا»، الذي نبغ في الفلسفة واللغة والمنطق وغيرها.

حيث لم يغفل الكتابة في مجال الموسيقى، ضمن كتابه «الشفاء»، هذا طبعا علاوة على ثلاثة كتب مخصصة في الموسيقى، اثنان منها باللغة العربية والثالث بالفارسية، ويسرد الكاتب في سياق عرضه هنا، مجموعة واسعة من الكتاب الموسيقيين و الباحثين والمتخصصين، أمثال «صفى الدين عبد المؤمن في كتابه» في الموسيقى»، أواخر العصر العباسي، وإبراهيم الموصلي، وزلزل، وإسحاق الموصلي، وابن جامع، ومخارق..

وغيرهم الكثير .ويختار الكاتب في فصول بحثه اللاحقة، أن يجعل انتقاله إلى الحديث عن مرحلة الموسيقى العربية في الأندلس، تنساق بأسلوب يعكس منوال مرحلة تطور نوعي في الموسيقى العربية، فيبين أن العرب نقلوا إليها جميع معارفهم في الموسيقى إلى الأندلس، وأيضا آلاتهم كالعود القديم (بأربعة أوتار)، والعود الجديد (خمسة أوتار)، والربابة والشهرور (أشبه بآلة القانون)، وآلات النفخ مثل:

المزمار، السرناى، الناي، البراع..، ثم ينبه إلى أن العرب في الأندلس أبدعوا الموشحات والزجل، فاغنوا معهما الموسيقى، وخاصة بفضل «مقدم بن معافر»، و«أحمد بن عبدربه» صاحب العقد الفريد، ومن ثم أتت مرحلة تغيير أخر متطور أكثر ، وذلك مع ظهور «زرياب»، والذي استعمل الريشة للضرب على العود، حيث صنعها من ريش النسر، بدلا من الخشب، ويبلغ مجموع ألحانه حوالي 10000 لحن.

وانتشرت في بلاد الأندلس قاطبة، واللافت -من وجهة نظر قابيل-، هو انه بعد سقوط الأندلس بقيت الآلات العربية والموسيقيين داخل القصور، وهو ما يوضحه أسماء تلك الآلات بالعربية والأسبانية من تشابه إلى حد التطابق في النطق. مع ظهور زرياب دخلت مرحلة تطور نوعي على الموسيقى العربية، أبرزها استعماله الريشة في العزف على العود


قراءة المزيد

٧٠

إضافة للسلة