مواكبة منشآتنا لرؤية 2030.. تحدي التغيير بين "عقلية الأمس" وتمكين الشباب

مواكبة رؤية 2030 مجهدة لكن ممكنة! كيف ندمج "خبرة الكبار" مع "طموح الشباب"؟ ومقترح جريء حول إدارة السعوديين في المنشآت الوطنية.

صدمة التطور وإدارة الواقع

دعونا نكون صريحين: مواكبة رؤية السعودية 2030 ليست رحلة سهلة على المنشآت. هي مُجهِدة، تتطلب يقظة دائمة، وقرارات أسرع، ونَفَسًا أطول مما اعتادت عليه كثير من الشركات. لكن في المقابل، هي ليست مستحيلة… بشرط واحد: أن نُغيّر طريقة إدارتنا للواقع، لا أن نُقاوم الواقع نفسه.

اليوم نحن نعيش في زمن تتطور فيه الأنظمة بسرعة، وتخرج فيه قرارات متتالية من الوزارات والجهات التشريعية، وتتحول فيه الأسواق واحتياجاتها بشكل متسارع. وهذا طبيعي في دولة تسابق الزمن لتحقيق أهداف ضخمة. لكن "الطبيعي" هنا لا يعني أنه سهل التنفيذ على الجميع؛ فبعض المنشآت وجدت نفسها أمام واقع جديد أكبر من استعدادها، فدخلت في حالة صدمة… صدمة التطور.

المشكلة ليست في التطور، بل في أن كثيرًا من الشركات ما زالت تدار بعقلية "الأمس"، وتطلب من "الأمس" أن ينجح في "اليوم".



لماذا تتعثر بعض المنشآت في المواكبة؟

أحد الأسباب الواضحة هو بقاء بعض الإدارات كما هي لعشرات السنين دون تجديد حقيقي. موظفون في مواقع حساسة منذ زمن طويل، ليس بالضرورة لأنهم سيئون أو غير أكفاء، بل لأن المنشأة لم تُنشئ مسارًا طبيعيًا لتجديد الدماء، ولم تبنِ منظومة تُدخل القدرات الحديثة تدريجيًا. ونتيجة ذلك: تتأخر الشركة في التكيف، وتصبح القرارات الجديدة عليها عبئًا لا فرصة.

وفي المقابل، لدينا شباب صاعد يمتلك المعرفة الحديثة، والخبرة العلمية، وفهمًا سريعًا للتقنية، والتغيير، والحوكمة، و التحول الرقمي، وإدارة المخاطر، ومتطلبات الامتثال… شباب قادر على تسريع عجلة التنمية داخل المنشأة إن أُتيحت له الفرصة.

لكن المشكلة تظهر حين لا يتم تمكين هذا الشباب، أو حين يُزَاح عن مسار التأثير، أو يُحاصر داخل أدوار شكلية، ثم نطلب منه أن "يصنع فرقًا" وهو أصلاً لم يُعطَ الأدوات ولا الصلاحيات.



هل الحل هو إقالة الخبرات القديمة؟

لا. وبكل وضوح: ليس هذا ما نقوله. الخبرات القديمة عنصر مهم في أي منشأة. لديهم معرفة عميقة بالتشغيل، يعرفون تفاصيل العمل، ويمتلكون شبكة خبرات وتجارب ساعدت في استقرار الشركة وتجاوز تحديات كثيرة. كثير منهم يسيرون العمل بسلاسة دون تعقيد، ولهم دور كبير في تحسين الأداء وتحقيق الإيرادات.

لكن المشكلة ليست في وجود الخبرة… المشكلة في أن تبقى "الخبرة وحدها" هي مصدر القرار، بينما العالم يتغير من حولنا. نحن لا نحتاج صراع أجيال داخل المنشأة. نحن نحتاج "نظام دمج" ذكي: خبرة قديمة تحفظ الاستقرار، وشباب واعٍ يلتقط المستقبل.



ما الذي تحتاجه المنشأة فعليًا؟

تحتاج المنشأة إلى إدخال الدماء الشابة ذات الخبرة العلمية داخل مراكز التأثير تدريجيًا، وتنويرها تدريجيًا بالخبرة التشغيلية الموجودة، حتى نحصل على أفضل ما في الطرفين.

تمكين الشباب لا يكون بكلمة "تمكين" تُكتب في لوحة الشركة أو في خطة سنوية، بل يكون بقرارات واضحة مثل:

  • وضع مسارات تطوير حقيقية ترفع السعودي من التنفيذ إلى الإشراف ثم الإدارة.
  • تسليم مشاريع التحول والامتثال والتحسين للشباب مع متابعة صارمة للنتائج.
  • وضع مؤشرات أداء دقيقة لا تُجامل أحدًا: من يُحقق نتيجة يستمر، ومن لا يُحقق يُراجع.
  • عدم تسليط الوافدين على السعوديين بشكل يعطل نموهم المهني داخل المنشآت الوطنية.

وهنا نصل إلى نقطة حساسة لكنها واقعية: كيف نريد سعوديًا أن ينمو ويقود ويبدع، بينما هو دائمًا تحت إدارة أجنبية لا تعطيه مساحة القرار، ولا تتيح له طريقًا واضحًا للصعود؟



ما نتمناه من وزارة الموارد البشرية

من باب دعم التمكين الحقيقي، نتمنى أن تُدرس فكرة إصدار تشريع أو قرار وزاري يمنع أن يكون "المدير المباشر" لموظف سعودي في المنشآت السعودية مديرًا أجنبيًا… أما الشركات الأجنبية فلا مانع؛ لأن طبيعتها مختلفة.

ليس الهدف تضييقًا، ولا تحيزًا ضد أحد، بل الهدف حماية مسار التمكين داخل منشآت وطنية يفترض أن تكون المدرسة الأولى لصناعة القادة السعوديين. والشركة التي لا ترغب في الالتزام بهذه التوجهات، من حقها أن تعيد ترتيب وضعها النظامي وتتحمل الرسوم والاشتراطات التي تُفرض على الشركات الأجنبية. هذه ليست عقوبة… هذه عدالة تنظيمية: من يعمل كمنشأة وطنية يتحمل مسؤولية وطنية، ومن يريد نموذجًا مختلفًا يتحمل تبعاته.



تمكين السعودي حق… وليس خيارًا

تمكين الخبرة للمواطن السعودي الموظف حق واجب التنفيذ. لأنه مرتبط بمستقبل السوق، واستدامة الشركات، وبناء قيادة وطنية قادرة على المنافسة.

ومن هذا المنطلق، ستبدأ شركة شمال الحجاز للتوظيف بنفسها. نعم، قد تتحمل الشركة مصاريف ورواتب أعلى. وقد يكون الطريق أصعب على المدى القصير. لكن هذا ما يجب أن يكون. سنمضي في تمكين السعوديين داخل الشركة، وتوسيع حضورهم في مواقع القرار والتشغيل، وتقليل الاعتماد على الموظفين الأجانب تدريجيًا، ليس بالشعارات… بل بالخطط، والقياس، والمحاسبة، والنتائج.



الخلاصة

مواكبة رؤية 2030 مُجهِدة، نعم… لكنها ليست مستحيلة. المستحيل الوحيد هو أن نُصرّ على إدارة المستقبل بعقلية الماضي. نريد منشآت تحفظ خبرتها، وتُطلق شبابها، وتبني نموذج عمل سريع الاستجابة للتغيرات، واضح في الصلاحيات، صارم في النتائج، عادل في الفرص… وهذا هو الطريق الأقرب للنجاح.



--- بقلم: الأستاذ عبدالعزيز الفائر ---